الأحد، 6 أغسطس 2017

قراءة الكتاب تحتضر.. فماذا ننتظر؟

أصبح انتقاء الكتب القيِّمة والمفيدة مهماً جداً، خصوصاً أن الوقت المخصص للقراءة أصبح ينحسر ويضيق بسبب تعدد الوسائط المعلوماتية والتصاقها بِنَا، مثل الهاتف الذكي وما يحتويه من تطبيقات، وخصوصاً مواقع التواصل الاجتماعي وما فيها من مقالات وفيديوهات، هذه كلها تقدم بجرعات قصيرة تتناسب مع عصر السرعة والرسائل القصيرة، التي عادة ما تكون أسهل وأكثر جاذبية، فنسبة تركيز الإنسان في تقلص مستمر، وصبره ونفَسه أصبحا قصيرين.

ولقد باتت مختلف الجهات تحاول أن تركب هذه الموجة، وتنجذب إلى أماكن تواجد الجماهير، بل أثَّر ذلك على محتوى الطرح، وتفاجأنا بسقوط مدوٍّ لكثير من الجهات العلمية والإعلامية والأشخاص والمشاهير، بحجة اجتذاب أكبر عدد من "اللايكات" والمشاركات، بينما صعد أيضاً كثير من المغمورين الموهوبين الذين منعتهم القنوات الرسمية وحجمت مواهبهم، فحققوا اختراقات بإمكانات بسيطة جداً.

صحيح أن الجميع تأثر بهذه التغيرات، لكن يبدو أن هذا التحدي كان أثره الأكبر على منطقتنا العربية، فحصّة الكتاب والقراءة من أوقاتنا كانت معدومة أصلاً، مقارنة بالدول الغربية، فكيف الحال الْيَوْمَ وقد ذاب الجَلَد والإصرار على التعلم من خلال الهروب إلى المقاطع القصيرة والمقالات المقتضبة وملخصات الكتب لنهل العلوم وتعلم الفنون.

تخيَّل معي ما النتائج المتوقعة في حال أُجريت دراسات جديدة عن نسبة قراءة الفرد العربي! ولقد لاحظنا أن بعض المؤلفين العرب جنحوا إلى إخراج كتبهم وكأنها شرائح "باوربوينت" حتى يجذبوا القارئ العربي (اللي روحه مفرفطة أو ما له خُلْق كما يقال بالعامية)! ويسألك أحدهم أحياناً عندما تذكر له كتاباً أن تلخصه له في تلك الجلسة بكلمات!

للأسف لا يوجد عند كاتب هذه السطور أي حل سحري، فلا أعتقد أن أياً منّا قد سلِم منذ اندلاع معارك التواصل الاجتماعي وسيطرتها على العقول والقلوب، وقد لاحظت تأثُّر كمية قراءاتي اليومية للكتب سلباً، لكن بالتأكيد الموضوع بحاجة إلى مثابرة وشخصية قوية تضبط السلوك وتقمع السعادة الآنية، مقابل الثراء والمتعة المعرفية على المدى الأبعد، ولعل النصيحة الذهبية هي أن نخصص وقتاً "مقدساً" بشكل يومي، ولو بدأنا على الأقل نصف ساعة قبل النوم مثلاً للقراءة، بعد أن نكون قد أطفأنا "الموبايل" وتركناه في الصالة، وإذا تمكنا من شراء جهاز أمازون لقراءة الكتب (كندل) من نوع paper white مثلاً سيكون ذلك مثالياً؛ لأن ضوءه فيه، فلن تزعج من ينام في الغرفة معك. ولا أبالغ إن قلت إن أفضل شيء اشتريته في حياتي كان جهاز الكندل، فهو مكتبة متنقلة وبوابة على ملايين الكتب، يمكنك الولوج إليها بكبسة زر واحدة.

ولا شك في أن تهيئة المكان المناسب في البيت، واختيار المناسب من الكتب، ومصاحبة من يقرأ أو يهتم ويناقش معك ما تقرأ، في البيت والعمل لها دور كبير أيضاً. أضِف إلى ذلك أن اغتنام الأوقات الضائعة بين المناسبات وانتظار المواعيد وخلال السّفر لَمكسب كبير، وربما خير من تصفح الموبايل وانتظار المزيد من "النيوزفيد"!

القراءة الحقيقية والعميقة بحاجة إلى استثمار من أوقاتنا، وتوفير بيئة هادئة لنقرأ ثم نتأمل ثم نعمل، ونعيد الكرّة باستمرار، وذلك لا يكون بمزاج السرعة السائد وعالم الإبهار والتسلية، فالقراءة هي مَن أنجبت العباقرة والناجحين، ليس فقط على الرفوف، بل في الأعمال أيضاً، فمثلاً بيل غيتس وإيلون ماسك، وغيرهما كانوا من القارئين للكتب بشكل غزير منذ نعومة أظافرهم، ورغم انشغالهم بعد نجاحاتهم فإنهم ما زالوا يقرأون بشراهة وشغف كبير، وكذلك أجدادنا كالجاحظ والجوزي وغيرهما.

فحريّ بِنَا أن نزرع حبَّ القراءة والكتب، ورقية أم إلكترونية، في نفوس أطفالنا، لعلنا نصنع جيلاً جديداً متمكناً وقادراً على مواجهة التحديات وبناء مستقبل مزدهر.

تقدَّمت الأمم وتصدَّرت من خلال الاستفادة من كنوز العلوم والقراءة، والكتابة أحد مفاتيحها الهامة.
ويذكر أن الفيلسوف المشهور فولتير عندما سُئل عمن سيقود الجنس البشري، أجاب: "الذين يعرفون كيف يقرأون ويكتبون"، واليوم رغم أن نسبة الأمية عالية في الوطن العربي، فإن المشكلة الكبيرة أن كثيراً ممن يعرفون القراءة والكتابة لا يقرأون ولا يكتبون، رغم أننا كما يقولون أمة "اقرأ"!

المقال منشور على هافنجتون بوست هنا

الخميس، 4 مايو 2017

كيف نتعامل بذكاء مع الهاتف الذكي؟

لتطور التكنولوجي في المجالات التي لها علاقة بالمستهلك بشكل مباشر يكون لها أثر كبير في تغيير سلوك وعادات الناس، وتسارع التطور التكنولوجي بات يشكل تحدياً للجميع في كيفية التعامل مع تأثيراته.
الهاتف الذكي هو أحد هذه المنتجات التكنولوجية التي تمكنت من السيطرة بشكل استثنائي و"ذكي" على حياة الناس في هذه الأيام، فأصبح الواحد لا يدري ما يفعل بيديه إذا لم يكن الهاتف الذكي في يديه.
ولعل السبب في انتشاره الرهيب هو عدد التطبيقات الكبيرة التي تتعلق بكل شيء في حياتنا، ولعل أهمها طبعاً مواقع التواصل الاجتماعي.
حُقَّ له أن يسمى ذكياً فقد حصدت صناعته بلايين الدولارات، وأصبح قادراً على اقتحام المكان علينا في أي زمان، وقد يصرف انتباهنا عمّن هم حولنا بسهولة، فلقد عرف مطوروه من أين تؤكل الكتف، فانحنت له الرقاب دقائق وساعات، وداخت وتاهت بالبعض في عالم افتراضي مليء بالتسليات مع الأصدقاء لساعات أو في المزارع السعيدة وحلاوة الكاندي كراش وغيرها وقد يكون ذلك على حساب الأهل والأبناء الذين انتقلوا بدورهم بسرعة إلى ذلك العالم.
لم يكن لمواقع التواصل الاجتماعي القدرة على اختراق حياتنا كما هو حاصل حالياً لولا هذا الجهاز الصغير ذو الأثر الكبير، فسهولة حمله ومرافقته لنا في كل مكان جعل منا لقمة سائغة لجمهور الشركات والمطورين لجذب اهتمامنا وتشبيك علاقاتنا وتواصلنا بشكل غير مسبوق لدرجة أنه أصبح امتداداً حقيقياً لأجسامنا.
صحيح أن فوائد الهاتف الذكي عديدة ولا يمكن إنكارها، لكنه أثر بشكل سلبي على حياتنا الاجتماعية، بل إن له محاذير طبية كمرض "الرقبة النصية" Text Neck ومشاكل العيون، بل حتى إنه أصبح أكبر سبب للزيادة الكبيرة لحوادث الوفيات للمشاة في الولايات المتحدة الأميركية، كما ذكرت CNN الشهر الماضي، فضلاً عن حوادث السيارات.
المشكلة طبعاً ليست في الهاتف الذكي نفسه ومطوري التطبيقات، فهدفهم ربحي معلن، وهم معنيون للوصول إلينا وبيع معلوماتنا واهتماماتنا وحياتنا وخصوصياتنا للشركات من خلال الإعلانات وغيرها، وليس حباً في أن يمنحونا تكنولوجيا تسهل اتصالنا وتواصلنا، وهذا طبيعي في عالم المال والأعمال، لكن نحن مَن نقرر كيف نستخدم أي تكنولوجيا بحيث نستفيد من منافعها ونتجنب أضرارها.
أضع بين أيديكم اليوم 10 نقاط فيها نصائح عملية؛ لتعيننا على تجنب ضرر هذا الهاتف الذكي وتطبيقاته، وما هي إلا خطوات احترازية لمشكلة حالية، لكن التهديدات القادمة قريباً ستكون أشد وأقوى على حياتنا، وخصوصاً تكنولوجيا الواقع الافتراضي Virtual Reality، والتكنولوجيا الملبوسة Wearable Technology:

1- إخلاص النية والاستعانة بالله أن يعينك على حسن استخدامه بما هو خير لك، ومن تتواصل معهم ولو كان جزءاً من تسليتك اليومية.
2- عدم السماح باستخدام الموبايل نهائياً في أوقات محددة مثل مائدة الطعام، داخل الحمام،  أثناء القيادة، وكونوا قدوة لأبنائكم في ذلك.
3- اعتماد أوقات محددة لاستخدام الموبايل في التواصل الاجتماعي (مثلاً ربع ساعة صباحاً وساعة مساء بعد نوم الأطفال)، ومراقبة ذلك من خلال خاصية البطارية التي تشير إلى كمية ووقت استخدام كل تطبيق آخر 24 ساعة.
4- إلغاء التذكير التلقائي لمواقع التواصل وغيرها (باستثناء رسائل الأهل)، أما الإيميل فحسب  طبيعة عملك أو بالأحرى مديرك!
5- لا تتابع الصفحات غير المفيدة واحصرها بذات الجودة العالية والمحترمة سواء كانت  تكنولوجية أو إخبارية أو منوعة.
6- ضع الموبايل صامتاً في الأوقات التي تريد الإنجاز فيها في العمل والدراسة.
7- أطفئ الموبايل أو ضعه صامتاً عند النوم في غرفة أخرى، واعتمد على المنبه التقليدي في  الصباح.
8- لا تقرأ ولا تتفاعل مع الرسائل "الاجتماعية" إلى أن تعود إلى المنزل.
9- حاول أن تضع الموبايل بعيداً عن متناول يديك وأنت في البيت حتى تقضي فيها وقتاً أكبر مع العائلة وكما يقولون: "البعيد عن العين بعيد عن العقل".
10- أخيراً تجنب قراءة الكتب أو المقالات الطويلة من الموبايل.

* نص المقالة في هافنجتون بوست

الأحد، 22 يناير 2017

كوريا الجنوبية.. تكنولوجيا النجاح ونجاح التكنولوجيا

انظر من حولك وستشاهد شاشة تلفاز أو كمبيوتر أو ثلاجة أو موبايل أو اخرج إلى الشارع وسترى سيارة أو انظر إلى البحر وسترى سفناً عملاقة، كلها منتجات تمكنت كوريا الجنوبية من صناعتها، هذه الدولة الصغيرة التي زُرناها الشهر الماضي ضمن برنامج علمي استمر لعشرة أيام، تعلمنا فيها كثيراً عن التجربة الكورية المميزة التي وصفت بالمعجزة، وقد كنت معجباً بها كما التجربة السنغافورية والماليزية، وقد قرأت كثيراً من التقارير الدولية والمقالات العلمية، إلا أن الزيارة الميدانية والحديث مع الخبراء والناس بشكل مباشر هناك عرّفني أكثر وألهمني أن أكتب وأدوّن بعض الدروس التي يمكن الاستفادة منها في عالمنا العربي، وكما يقول المثل الفلسطيني "الحكي مش زي الشوف"، وبدأت الحكاية الكورية معي والطائرة تقترب من الهبوط، وأنا أتأمل في السفن تذهب وتجيء وكأن ميناءها خلية نحل تدل على حجم الاستيراد والتصدير والاستثمار والتوفير بالعين المجردة ودون الذهاب إلى تقارير البنك الدولي.
كوريا تم احتلالها من قِبل اليابان لمدة 35 سنة، كانت سنوات عجافاً هزت أركان المجتمع، فحتى اللغة الكورية تم استبدالها باليابانية بالإكراه، وبعد التحرر من اليابانيين وانهزامهم في الحرب العالمية الثانية انقسمت، أو بالأحرى تقسمت، بين الاتحاد السوفييتي شمالاً والولايات المتحدة الأميركية جنوباً، وكأنها كعكة سبيل.
أعلنت كوريا الجنوبية استقلالها عام 1950 واندلعت على أثرها الحرب الكورية، وقتل وجرح فيها الملايين ثم انقسمت الكوريتان رسمياً، وبمساعدة الولايات المتحدة نهضت كوريا الجنوبية وولدت قصة نجاح من رحم معاناة خلال عشرين سنة بقيادة الجنرال باك تشونغ هي.
تحققت المعجزة التي زعم الجنرال الأميركي دوغلاس آرثر حينها أن كوريا لن تقوم لها قائمة قبل قرن من الآن.. لكن الكوريين دحضوا هذه المقولة، وحققوا المعجزة، وقاموا بتشييد البشر والحجر خلال فترة قياسية.
صحيح أن هناك العديد من السياسات والممكنات التي قامت بها الدولة بهدف النهوض من دولة فقيرة إلى دولة متقدمة، وذلك يشمل تطوير المؤسسات والتشريعات والسياسات الاقتصادية والمالية، سياسات الاستثمار والتجارة الدولية، والتنمية البشرية، وخصوصاً التعليم، إلا أن سياسة العلوم والتكنولوجيا طويلة الأمد كانت الرافعة الأساسية لتضافر الجهود وقيادة دفة النهضة من خلال تحديد أهداف تنموية طويلة الأجل وفي قطاعات رائدة وصفت أحياناً بأنها مغامرة، وقد شرح هذه المكونات والسياسات الاقتصادي المعروف الفائز بجائزة نوبل في الاقتصاد مايكل سبنس، في دراسته لعدة دول حافظت على نموها الاقتصادي لفترة طويلة.
وفي هذه المقالة سأذكر لكم الدروس التي ربما تحيزت فيها إلى أمور معينة شدت انتباهي انطلاقاً ربما من تخصصي وما توافق مع أفكاري، فحصر الدروس من جميع الجوانب سيكون عملية صعبة:
1- التخطيط السليم واستشراف المستقبل:
وضعت الحكومة رؤية وخطة طويلة الأمد ارتكزت على تطوير التكنولوجيا، ابتداء من التوطين وانتقالاً إلى التطوير، اقترضت في البداية واستثمرت القروض والمنح أحياناً في ما هو استراتيجي يخدم الغاية الأساسية، فركزت على شراء التكنولوجيا والمعدات والمواد الخام، وبناء المصانع، وتأهيل المؤسسات التعليمية (طبعًا الآن كوريا تتبرع ببليوني دولار سنوياً كمساعدات للدول الفقيرة، فسبحان مغير الأحوال لمن أراد أن يغير!)، اعتمدت الدولة خططاً خمسية، أي كل خمس سنوات خطة تتم متابعة تنفيذها وتقييمها للتأكد من أنها تصب في الرؤية طويلة الأمد، وتحقق النمو الاقتصادي المطلوب، وقد بلغ قيمة قياسية في بداية التسعينات، حيث وصل إلى 9.8%. وإذا قِسنا هذه القفزات الاقتصادية باستخدام الناتج القومي للفرد فقد ارتفع من 63 دولاراً في سنة 1950 إلى حوالي 27000 في سنة 2015.
2- الاستعانة بالحس الوطني:
قامت الحكومة باجتذاب الكفاءات والعلماء من خلال إنشاء مركز بحثي متميز وفرت فيه الاحتياجات البحثية، براتب يعادل ثلث ما يأخذونه في أميركا، ومع ذلك جاءوا ليخدموا بلدهم عندما وجدوا صدق الحكومة وإيمان المجتمع بقدرته على النهوض وتجهيز الدولة لكافة الاحتياجات العلمية من مختبرات وبنية تحتية مناسبة؛ ليحقق الباحث ذاته أيضاً وينجح في مضماره، وهناك قصة عظيمة في تكاتف الشعب قرأت عنها في أحد تقارير الـ"بي بي سي" سنة 1998 وأخبرتني عنها فتاة كانت صغيرة حينها، عندما مرت الدولة بأزمة مالية كبيرة في التسعينات؛ حيث بادر الشعب والشركات إلى التبرع للدولة بالذهب من مدخراتهم الشخصية؛ لتتم إذابته وبيعه بالأسواق العالمية، ولم يكن ذلك ضمن نداء رسمي من الدولة، بل مبادرات مجتمعية، وذكر أحدهم من الجيل الذي شهد النهضة أنه كان سعيداً برد الجميل للدولة التي منحتهم الرخاء والحياة الكريمة وهي الآن في شدة، فكأنها لهم صديق أحبوه وعرفوه وقت الرخاء والضيق، وقد ذكر أنه تم جمع عشرة أطنان ذهب خلال أول يومين من الحملة الشعبية.
3- البحث العلمي والتعليم:
اهتمت الدولة في تحقيق رؤيتها للنمو الاقتصادي على ركيزتين تمثلتا في التعليم ومنظومة العلوم والتكنولوجيا (وهنا نقول لغير المتخصصين: التكنولوجيا هي الوصول إلى التطبيق العملي للعلوم، فسياسة النهضة اهتمت أكثر بالتكنولوجيا وليس البحث العلمي، بهدف العلم بحد ذاته على أهميته) وقد أنشأت الدولة معهد أبحاث متخصصاً سنة 1966 KIST ووزارة العلوم والتكنولوجيا عام 1967 وجامعة علمية خاصة سنة 1971 KAISTI مستقلة لا تتبع للتعليم العالي كي تعمل بحرية كبيرة وتهتم بالبحث العلمي، وكانت مجانية، لكنها تختار المتميزين من الطلبة لرفد المؤسسات البحثية المدعومة من الحكومة بالعلماء والمهنيين وتخرج علماء المستقبل.
ولقد لعبت مراكز البحث والتطوير والجامعات دوراً مهماً في بداية النهضة الصناعية لمساعدة الصناعة والشركات لنقل وتوطين التكنولوجيا، بسبب عدم قدرة الشركات في حينها، بسبب قلة الخبرات الفنية، وكان ذلك فترة الثمانينات؛ حيث كان التركيز على تطوير وتعزيز الصناعات الغنية بالتكنولوجيا وليس بالضرورة كونه إنتاجاً معرفياً أصيلاً أو تكنولوجياً جديداً لكنه كان تطويراً ويدر أرباحاً كبيرة حينها، ومن ثم انتقلت الاستراتيجية إلى التطوير والابتكار بمساعدة هذه المراكز البحثية، بالإضافة إلى مراكز الأبحاث والتطوير في الشركات الصناعية التي أصبحت مصدراً رئيسياً للابتكار، فلقد أصبحت تعتمد على نفسها كثيراً؛ حيث تبلغ ميزانية البحث والتطوير لأحد مراكز سامسونغ مثلاً ما مجموع جميع المراكز الحكومية التي تتجاوز 25 مركزاً علمياً، كما ذكر لنا أحد المحاضرين هناك.
وفي التعليم، استفاد الكوريون من ثقافتهم التي تستمد سماتها كثيراً من "الكونفوشية" في تقدير العلم والعلماء والأدب والأخلاق، وخصوصاً مع الآباء والكبار في السن والمركز، بالإضافة إلى التكاتف والتعلم من البعض، إلا أن ثقافة الاجتهاد والعمل الجاد ساعات طويلة واعتبار التعليم المدخل الرئيسي لحياة كريمة ومتميزة جعل الطالب المحرك الرئيسي في منظومة التعليم، فلا يعرف عن كوريا استثمارها الكبير في التعليم إلا أنها قامت بتعديلات جوهرية كبيرة في نظامها التعليمي فقد عدلته 7 مرات منذ عام 1954؛ ليتماشى مع الاحتياجات الوطنية والاستراتيجيات التنموية، وخصوصاً سياسة العلوم والتكنولوجيا كما ذكرنا، وهي تحتل هذا العام المركز الأول عالمياً في التعليم الأساسي، كما ذكرت مجلة إم بي سي تايمز، حسب مقياس SPI.
4- اختيار النموذج الوطني والاعتماد على الثقافة الأصيلة:
ما لفت انتباهي أيضاً اعتزاز الكوريين بثقافتهم وتمسكهم ببلدهم وانتمائهم لحضارتهم، رغم أنني لم أجدها غنية وضاربة في جذور الأرض مثل البلاد التي جئنا منها، كما قال زميلي من مصر، وغيرها من البلاد التي جاءت لتتعلم من التجربة الكورية.
وبالتالي قامت الدولة بتصميم نموذجها الخاص مستعينة بالتجارب الدولية، وخصوصاً تجربة جارها المارد الياباني العنيد، فمثلاً لم تتبع الدولة النظام الرأسمالي الأميركي في مشروع نهضتها، رغم أنها تلقت دعماً اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً منها، لكنها استخدمت أسلوبها الخاص المتمثل بدعم الصناعة والشركات الكبرى بشكل مباشر، ولكن لفترة معينة، ثم تركتها تعتمد على نفسها وسمحت للفاشلة أن تخرج من السوق، أما الشركات الصغيرة فما زال هناك برامج دعم مالي وتقني، لكن ضمن منهجية تشجع استغلال نتاج المؤسسات البحثية، وما زالت الدولة تلعب دور الأب الحاني، ولن تترك هذا الدور أبداً، كما أخبرني أحد المحاضرين عندما سألته في هذا الموضوع، فيبدو أن نظرية "كوز الاقتصادية" لا تعنيهم كثيراً، فثقافتهم "الكونفوشية" ما زالت متأصلة فيهم، واستفادوا منها في نظامهم الاجتماعي والمهني الصارم، والذي خدمهم في موضوع التعليم كما ذكرنا، فالمعلم سر نجاح العملية التعليمية، وله مكانة خاصة في قلوب المتعلمين وراتبه الحكومي ممتاز.
5- القيادة المخلصة:
وأخيراً وليس آخِراً، كان دور القيادة الكورية الأولى متمثلة بالرئيس بارك محورياً، كان عسكرياً ورئيساً ديكتاتوراً، لكن يمكن أن نسميه ديكتاتوراً حميداً، فقد كان مخلصاً لبلده، فعمل بجد حسب معرفته وعاطفته، بالإضافة إلى استغلال الخبرات العالمية والمحلية، فقد قيل إنه قام سراً بالاستعانة باقتصاديين من أميركا (فازوا بجائزة نوبل في الاقتصاد)، لتحديد سياسة الدولة؛ لتنتقل من دولة فقيرة إلى دولة متطورة، ولم يعرف ذلك أحد حتى وفاته، حسب قولهم، يقر الكثير في كوريا أنه أخطأ وأجرم أحياناً، كما أخبرونا، واستغربت عدم إنكارهم ذلك بشدة، لكنه مع ذلك اكتسب احترام شعبها ولم ينتقم لشخصه، بل لمصلحة شعبها كما برروا، فيبدو أن نموذجه كان ناجحاً حينها، فالزمن تغير ولم يعد هذا النموذج مقبولاً.
لكن الدرس هو أهمية وجود قيادة تمتلك رؤية مستقبلية وعندها الإرادة والقوة، وتستطيع أن تستنهض الهمم والأمم وطاقة الشعوب والشباب باتجاه أهداف بعيدة المدى، لكنها عملية ومبنية على تجارب ناجحة ومنهجية علمية، ولعل تجربة لي كوان يو في سنغافورة ومهاتير محمد في ماليزيا دليل دامغ على ملاءمة طبيعة القيادة وطبيعة المرحلة والثقافة العامة حينها، لكن بالتأكيد القيادة المخلصة والقوية بحاجة إلى مظلة أخلاقية حتى تتفوق ويدوم صيتها كنموذج مثالي حتى بعد رحيلها.
وفي النهاية أقول بالكوري: "كامسا هاميدا" كوريا على هذه الدروس المميزة.

-- المقال منشور في هافنجتون بوست

ماذا تخبئ لنا تكنولوجيا الواقع الافتراضي؟

كنت قد كتبت في مدونتي سابقاً عن موضوع إدارة التكنولوجيا في حياتنا اليومية،  وبالتحديد إثر اندماج الهاتف الذكي وتطبيقات الإنترنت والإيميل، وخصوصاً مواقع التواصل الاجتماعي؛ حيث أصبح هذان الصغيران الآن عملاقين من حيث المال والانتشار، وها هما يقتحمان علينا المكان في أي زمان وقد يديرانه كما يشاءان وبنا يتحكمان، ورغم أنهما قربا البعيد وسرعا البطيء ونبشا الماضي وكبّرا الصغير، فإنهما أهملا الكبير ولأجلهما انحنت الرقاب دقائق وساعات، وداخت وتاهت بالبعض في عالم افتراضي مليء بالتسليات مع الأصدقاء لساعات أو في المزارع السعيدة وحلاوة الكاندي كرش وغيرها وأحياناً على حساب الأهل والأولاد. ذكرت حينها أن "الاستخدام" هو الكلمة المفصلية كما هو الحال في التعامل مع أية تكنولوجيا وإدارة أثرها على أنفسنا كمستخدمين.
الموجة التكنولوجية القادمة هي تكنولوجيا الواقع الافتراضي Virtual Reality )VR) التي لا تعتبر حديثة رغم أنها بدأت قوية وتطورت بشكل متسارع وكان الجميع يتوقع لها تبعات راديكالية في عدة مناحٍ، لكنها خبت لفترة وانحصر أثرها في الألعاب والتسلية بالإضافة إلى التدريب على المخاطر أو قيادة القطارات والطائرات  وغيرها، مثل إعادة بناء المواقع  التاريخية والتجول بها، وما زالت في هذا المضمار. أذكر أني قمت بتجربة قيادة القطار في مختبر للسلامة والعوامل الإنسانية في جامعة نوتنغهام في بريطانيا قبل 10 أعوام؛ حيث كان تطور VR بطيئاً، وكانت التكنولوجيا باهظة الثمن لا يقدر عليها إلا المتخصصون والباحثون والشركات.
اليوم وبعد أن استثمرت الشركات العالمية الكبرى مبالغ طائلة فيها تم تسريع عجلة تطورها على منحنى إس S-curve للتكنولوجيا وتنوعت تطبيقاتها أكثر وقل سعرها، ولعل فيسبوك إحدى أهم هذه الشركات، وخصوصاً بعد شرائها شركة إكيلوس في آر Oculus VR بمبلغ  ٢ بليون دولار في 2014، ومايكروسوفت ونظامها هولولنز HoloLens  بالإضافة إلى أبل  وسامسونغ وسوني والعملاق جوجل (أو الفابيت).
لقد أصبح الوصول إلى هذه التكنولوجيا سهلاً جداً بعد أن أصبح بإمكاننا استخدام هواتفنا الذكية مع جهاز بسيط (headset) أو حتى صندوق من الكرتون يمكنك صناعته بنفسك باستخدام كرتونة بيتزا بناء على تصميم تقدمه شركة جوجل مجاناً وهي المعنية بتطوير وتعزيز هذا السوق، ولقد قمت بصناعة هذا الصندوق بنفسي لأرى ردة فعل أطفالي الذين ذهلوا من التجربة. تخيل كيف سيكون حال أطفالنا في المستقبل عندما يتم هذا الاندماج الجديد مع مواقع التواصل الاجتماعي وهذا ما يرمي إليه مارك زوكربرغ بحيث تنتشر هذه التكنولوجيا بشكل أوسع وتستخدم في فيسبوك، وهذا قد لا يختلف عن توجهات جوجل ودخولها عالم الواقع المعزز Augmented Reality (AR) والذي يمكن اعتباره جزءاً من الواقع الافتراضي لكن الغموض ما زال يكتنف استراتيجية جوجل في هذا المضمار كما ذكرت مجلة تك كرنش .
حينها سيصبح منظر الرؤوس المتدلية غريباً! ستكون وحيداً إذا لم يكن عندك امتداد رأسك الجديد يتحرك في كل الاتجاهات وليس للأسفل فقط، ستخرج من عالمك إلى عالم افتراضي آخر تنفصل فيه وتنعزل عن محيطك كلياً وتطير هذه المرة إلى عالم آخر، فتتناول الغداء في لندن على ضفاف نهر التايمز وتحلي بالكنافة في البلدة القديمة في نابلس وتتجول بعدها بين بناياتها التاريخية الجميلة وأنت في بيتك بينما أهلك وأصحابك في مكان آخر رغم أنهم في نفس الغرفة.
يبدو أن استخداماتها الإيجابية إلى الآن مفيدة كما في الموقف الإنساني هنا الذي جعل الناس يتعاطفون ويتقمصون حال المتضررين في سوريا أو في تعليم العلوم في الصفوف والمختبرات كما شرح مايكل بوديكاير وغيرها من تطبيقات، لكن هل ستنحصر في هذه  التطبيقات؟ سوف ننتظر ما تؤول إليه هذه التطورات التكنولوجـية وكيف سيكون أثرها الإيجابي والسلبي؟ وكيف سنتعامل معها ونستخدمها، طبعاً إن كان لنا خيار فعلي حينها! فلقد كانت الموجة الأولى من التغيرات التكنولوجية في مجال التواصل الاجتماعي قادرة على شد أكثر من بليوني شخص إليها رغم مقاومة البعض في البداية من الدخول إلى هذا المجتمع، أو بالأحرى العالم الجديد، لكن شعورهم بالوحدة خارجه أجبرهم على الانضمام، فهل ستكون هذه أكثر شدة وأعظم أثراً على بيئة أعمالنا وحياتنا؟ لا نملك إلا الانتظار لنرى ما تخبئ لنا تكنولوجيا الواقع الافتراضي، خصوصاً أننا من الأمم المتلقية والمستهلكة، ولا ناقة لنا فيها ولا جمل؟
-- المقال منشور في هافنجتون بوست 

الحريةُ منصةٌ للإبداع‎


الحرية منصة مهمة و حجر أساس رئيسي لبناء مجتمع قادر على الإبداع، فتوفير بيئة "صحية" بحيث يشعر الناس بالأمان في بيوتهم و أعمالهم، وبالتالي يطلق لهم العنان للتعبيرعن مكنوناتهم الإبداعية بأريحية، فتتألق الأفكار والآراء ضمن الدوائر الاجتماعية الصغيرة و الكبيرة، بل يتجاوزها إلى العالمية من خلال توفر الفضاء الأكبر، ضمن مواقع التواصل الاجتماعي و الانترنت، حيث مكنتنا التكنولوجيا جميعاً من التعبير عن آراءنا، و خلق محتوى يمكن أن يساهم و لو بشكل بسيط في محيطنا، رغم أن هناك من يسيئ استخدامه من كثر استخدامه في غير مكانه، و أحيانا يتبجح تحت مظلة الحرية في أسوء صورها فتجده يتجنى و يجرح متحمسا بحق أو بباطل فيكفر و ينفر، وقد يسب و يقذف من اختلف معه في رأيه او رأي مذهبه أو ملته.
الحرية كمبدأ تم مأسسته ليصبح جزء من المعادلة التي نقلت أوروبا من أعماق الظلمات إلى النور، و الانفتاح في الأفكار و الإبتكار، وبالتالي التقدم في الاقتصاد و الصناعة و الزراعة والأدب والرياضة، رغم أنها جلبت معها بعض المصائب حيث الحدود بلا حدود أحيانا، و الذي يمكن تجنبه في بلادنا العربية من خلال الاستناد إلى ما تبقى من ثقافتنا الشرقية الجميلة حيث التأدب مع الكبير، ومراعاة الصغير، ومساعدة المحتاجين والترفع عن البغيضة و الإباحية، واحترام الأديان، و غيرها من خصال مازالت صامدة في مهب الريح.
وتكميلا لثقافتنا الغنية و ليس هدما شاملًا و بناءًا على أرض خضراء، لابد من التدرج بنشر ثقافة الحرية ابتداء من الأسرة التي تشكل شبكة أمان لأبناءها و بناتها الصغار ليتناقشوا و يتحاوروا و يخطئوا ليتعلموا باحترام و حنان.
ما نحلم به هو أن ينتقل الطفل من البيت وقد تربى على الحرية فتستمر معه المدرسة في نفس المنهجية التي تدعم حرية التفكير و التأمل، وتحدي الواقع الحالي للإتيان بجديد خَلَّاقْ، فيحتضنه المعلم ويعزز فيه القدرة على التحرر من المحددات ليفكر خارج الصندوق في كل مرة يواجه فيها مشكلة اجتماعية أوعلمية أو تقنية، و عندما يصل إلى الجامعة تكون قواه جامحة في تحدي المستحيل و ابتكار الحلول في مساقاته و مشاريعه فتمهد له الجامعة طريقه نحو الريادية و الإبداع، ليساهم في رقي بلده، و ينخرط في النهاية في وظيفة، و بيئة عمل توفر الحرية كما نصحت "تيريسا أمابايل": في مقالتها في "مجلة هارفرد" المتعلقة بكيفية تعزيز الإبداع في المؤسسات - انتهى الحلم - .
صحيح أن الإبداع و الابتكار بحاجة إلى مكونات أخرى مثل توفير البيئة، والتنظيم، والسياسات، والاجراءات الإدارية اللازمة وبناء المهارات، إلا أن عامل "طريقة التفكير" أو ما يسمى mindset وما يحويه من محرك للتغيير في مناحي عدة لتحقيق النجاح كما ذكر "كارول دويك" الذي عنون كتابه بذلك إلا أن الثقافة المحيطة و ما تحويه من مبادئ راسخة تحتاج سنينَ حتى تتكون و تتحور، وبالتالي لن يتحسن الوضع من خلال برامج و مشاريع قصيرة الأمد، فالموضوع أكبر من أن يحل بعصى سحرية!.

وإذا تحدثنا عن العصور كما قسمها "دانييل بينك" في كتابه، فلعل قيمة الحرية تزداد أهميتها أكثر و تناغم بشكل أكبر مع عصر الإبداع الذي نعيشه الآن، ففي عصر الصناعة ومن قبله الزراعة لم يكن التجديد و الابتكار المستمر في المنتجات و العمليات و طرق العمل مطلوباً إلى الحد الذي نشهده حالياً، و بالتالي يجب أن نترك عجلة الدماغ تسير دون احتكاك كما يقترح "اوزبورن" مبتكر مبدأ العصف الذهني، و أن لا نخشى الأخطاء و الفشل بل نحتفل بها كما شرح لنا أسترو تيلر في حديثه في مؤتمر "تيد"  2016  في فانكوفر و الفلسفة التي تتعامل فيها جوجل مع موظفيها الذين يعملون في مشاريع مستقبلية تتحدى الواقع باستمرار.
إذن زراعة الحرية الحقيقية أمر عصيب، و مهمة طويلة لمن أراد السير فيها، فلذلك يتجنبها كثير من الآباء و المدراء و الحكام، ليحققوا "الفعالية" من منظور النظرية الإدارية المعروفة بالمركزية، و يضاف إليها التنفيذ بعسكرية معتمدة على "عبقرية" فردية و"توتاليتاريانية" totalitarian ، حيث أن مساحة الحرية فيها تحتاج إلى أذون رسمية، هذه السياسات بات تطبيقها أصعب بعد الانفتاح الكبير و لن تصمد طويلا وفي كافة المستويات سواءً الأفراد أو المؤسسات.


-- المقال منشور في هافنجتون بوست