الاثنين، 29 أغسطس 2016

التكنولوجيا تتغير وتغير بأدمغتنا ومجتمعاتنا وربما أكثر

عندما كنت في لندن الشهر الماضي خرجت إلى صلاة الجمعة في أول أسبوع، وأنا كلي ثقة أني سأصل في الموعد وبسهولة باستخدام الحافلة؛ لأن في جيبي "جوجل"، فأخرجت سلاحي الصغير، الذي أصبح يحتل جزءاً من دماغي، وخصوصاً المتعلق بالملاحة، وبينما كنت أمشي وأهمّ بالاستعلام عن الطريق الأسهل باستخدام سبل المواصلات العامة لأجده انطفأ على غير عادته، هنا بدأ الخوف يتسلل إلى قلبي؛ حيث إن مشواري لا يسمح بأي تأخير، وشعرت حينها كيف سلبتنا التكنولوجيا من استقلالنا واعتمادنا على أدمغتنا ومهاراتنا وأصبحنا عرضة للخطر أكثر في الأزمات، هذا على المستوى الشخصي، فما بالك بالمؤسسات الضخمة! وقد حدث ذلك قبل أسبوع مع شركة دلتا للطيران؛ حيث تعطل النظام وتعطل معه آلاف المسافرين، لكن كل ذلك لن يمنع فيضان التقدم التكنولوجي من الاستمرار في اقتحام بيوتنا وأعمالنا.
بالنسبة لي كان الموضوع بسيطاً، فقد عاد هاتفي إلى العمل من جديد وأخبرني (كما في الصورة في الأسفل) عن كافة تفاصيل رحلتي القصيرة من خلال خريطة المسار الذي انقسم إلى جزء فيه مشي، والآخر في الحافلة، وأخبرني بالتحديد ما هو رقم الحافلة، ورمز موقف الحافلة المطلوب الوجود فيه، ومتى ستأتي الحافلة القادمة (والتي بعدها)، وعدد المواقف التي ستمر عليها، وأسماؤها، فلست بحاجة إلى قراءة الخريطة والمعلومات وجدول المواقيت، كلها تم تلخيصها بكبسة زر!
هذا طبعاً مثال بسيط كيف أصبحت التكنولوجيا والتطبيقات الذكية تسهل علينا الكثير وتميكن أشياء كثيرة في حياتنا اليومية، وليس فقط في الصناعة والتجارة، لكن المشكلة أن هذه التطبيقات الذكية والهاتف الذكي من خلفها تجعلنا أسرى أكثر لها، بل قد تقلل من فرص إعمال أدمغتنا وتطويرها، من خلال التعامل مع مختلف مهامنا اليومية والمشاكل التي تواجهنا، فلقد تقلصت فرص محاولاتنا وتجاربنا، فأصبحنا نفحص خريطة جوجل لتجنب الزحام؛ لأننا غير مستعدين لخوض أية مخاطر ولو كانت بسيطة، وهذا غير صحيح على الأقل من منظور تطوير وتعزيز التفكير الإبداعي.
صحيح أن كثيراً من التطبيقات تسهل الحياة وإدارة أمورنا اليومية لتفرغنا لأمور أخرى، وهذا طيب (إن كانت الأمور الأخرى طيبة!)، لكن التسارع في التطور التكنولوجي باستمرار، وخصوصاً فيما يتعلق بالذكاء الصناعي يسير باتجاه تغيير جذري لأمور حياتنا اليومية والمستقبل البعيد سيكون رهيبا!
تأمل في ما حصل في فيلم "وال إي" WALL-E مثلاً، أو أي من السيناريوهات الخيالية (حالياً على الأقل) التي تنبأ بها أهم العلماء، فلقد وصل الأمر إلى أن حذر العالم البريطاني الشهير ستيف هوكينغ من أن آلات الذكاء الصناعي قد تقتلنا في يوم من الأيام، أو تهدد حياتنا، ليس لأنها تكرهنا كما ذكر، لكن لأننا قد نكون عقبة في وجهها لتحقيق أهدافها، أما نيل تايسون، عالم الفيزياء الفلكية المعروف، فذكر في مقابلة أن الآلات والروبوتات ستتحكم وتسيطر على الإنسان بشكل كبير، بل ذكر مثالاً طريفاً أو ربما مخيفاً بالغ فيه كثيراً في إحدى محاضراته، عندما قال: إن الروبوتات قد تمر على كوكب الأرض لمشاهدة البشر، وتتسلى بهم وكأن الأرض حديقة حيوانات كبيرة!
أما على المدى المنظور الذي بدأ مع إنترنت الأشياء Internet of Things، التي تعتبر أهم المحركات القادمة لتقوم بتغيير جوهري في حياتنا paradigm shift، كما يقول الاقتصادي والمنظر الاجتماعي جيريمي رفكن، فالتواصل سيمتد بين كل شيء وليس فقط بيننا والآلات والأشياء، وقد تنبأ رفكن بتبديل النظام الرأسمالي بنظام تشاركي، أو كما سمَّاه collaborative commons، وضرب أمثلة عدة ضمن هذه المنظومة الجديدة التي بدأت تكتسح عالم الأعمال، مثل أن يتشارك المستخدم والمزود بالخدمة أو المنتج، فمثلاً شركة أوبر Uber تعتبر أكبر شركة سيارات أجرة في العالم رغم أنها لا تمتلك أي سيارة أجرة، وكذلك الحال بالنسبة لشركة إير بي إن بي Airbnb في تأجير الغرف والشقق، ولقد ذكر رفكن أدلة وممهدات عدة في كتابه المهم The zero marginal cost society لمن أراد الاطلاع على نظريته ونبوءته بالتفصيل.
ستيف جوبز كان يقول إنه كأي ريادي ناجح يتربص دائماً بالمستقبل والقادم، وكذلك قادة الدول الناجحون، ويبدو أن الموجة الصناعية التالية على الأبواب وستحتاج كمثيلاتها من الموجات السابقة، التكامل بين القطاع العام ودوره في تحضير البنية التحتية اللازمة للقطاع الخاص؛ لينتعش ويبدع في بيئة تشجع الأعمال والإبداعات بكافة أشكالها التكنولوجية وغير التكنولوجية، لكن غير محصور بطريقة التكامل العمودية لشركات كبرى، كما جرى سابقاً، وهنا فرصة أن نفهم هذه الموجة وندخل معها ونؤثر فيها؛ لعلنا نلحق الركب مبكراً وربما نؤثر في قيادة دفته.



المقالة منشورة في هافينغتون بوست

الجمعة، 20 مايو 2016

أصبح العلم يأتي ولا يُؤتى


جاءت البروفيسور لندا هيل من هارفارد إلى الكويت، وأردت أن أذهب إلى هناك إلا أنها كانت ليلاً، وهذا فيه مشقة بعد يوم عمل طويل، وأيضاً ستخسر فترة مداعبة أولادك، ولكن هارفارد فرصة تعلم لا تتكرر كثيراً، وبالتالي لا بد أن يؤتى إليها، فذهبت وكعادتي كتبت ملاحظات للاستفادة والإفادة من خلال مدونتي، باقتباس تعليق أو جملة مفيدة أو التعرف على مصدر معلومة جديد، لكني وجدت محاضرة لها على موقع تيد TED شبيهة جداً بما قدمته لنا، تيقنت حينها كم أننا حقاً محظوظون مقارنة بمن سبقونا من أجيال، وخصوصاً في الدول النامية؛ حيث توافر المعلومة صعب بسبب وجودها في أماكن منتجيها البعيدين عن دولنا، بالإضافة إلى تكلفتها المرتفعة نسبياً في حالة الكتب أو أسعار أقساط البرامج الدراسية الخيالية، وخصوصاً في الجامعات المميزة.
لقد تغير الحال، فنحن نشهد وفرة كبيرة من المعلومات التي يمكن الاستفادة منها دون تعب أو سفر، خصوصاً مع توافر الكثير من المصادر المتاحة بتكلفة بسيطة، أو أحياناً بالمجان من خلال الإنترنت، سواء المحتويات القصيرة والمتنوعة، مثل محاضرات تيد TED الشهيرة التي يأتيك أحد أهم الباحثين في العالم ويلخص لك زبدة أحد أبحاثه دون مقابل، أو المقالات القصيرة مثل ما ينشر في هارفارد بيزنس ريفيو HBR وبيزنس إنسايدرو فوربيبس وغيرها.
أما المساقات الطويلة الممنهجة، فهناك باقة من المواقع المميزة مثل Coursera , Edx,UdemyKhan AcademyMIT Opencourseware فضلاً عن القنوات الموجودة على اليوتيوب لجامعات عريقة، مثل إم آي تي MIT ويال Yale، وهناك أيضاً الكثير من محطات البودكاست Podcast التي تمكنك من الاستماع لكثير من المحاضرات واللقاءات أثناء القيادة، أو في النادي الرياضي.
هذا الزخم الكبير من المحتوى لم يكن موجوداً أو متاحاً عندما كنا في فترة الدراسة (في التسعينات) في جامعة النجاح الوطنية في فلسطين؛ حيث كنا مثلاً نوصي أصدقاءنا وأهلنا بشراء الكتب التي نحتاجها من مكتبة الجامعة الأردنية، وهذا قد يحدث مرة كل سنة، لكن اليوم يمكنك شراء أي كتاب من شركة أمازون بكبسة زر واحدة من خلال خدمة 1-Click Ordering ويكون الكتاب خلال ثوانٍ محملاً على مكتبتك الإلكترونية وهي أمازون كندل بل متوافراً أيضاً على كافة أجهزتك، إن أحببت.
أصبح العلم يأتي إلينا بسهولة، ولكننا ما زلنا بحاجة إلى أن تظل ثقافة الإمام مالك فينا، فالعلم لا بد أن يؤتى إليه من خلال الدخول والاشتراك في هذه المواقع واستثمار الوقت في هذه الكنوز الافتراضية، أنا شخصياً تعلمت كثيراً، ولا أبالغ إن قلت إنني تعلمت ذاتياً أكثر مما تعلمته في كثير من المساقات في محطات الدراسة الجامعية، تلك المحطات التي نمر بها، وأحياناً على مضض؛ لنحصل على شهادة بدأ بريقها يهفت بدخولنا في عصر جديد يعتمد على الإبداع والتجديد، ويتسارع فيه التقدم المعرفي بشكل كبير بحيث لا يقدر النظام التعليمي الحالي على مجاراته، بل يحتاج إلى ثورة revolution كاملة لإعادة هيكلته، كما ذكر سير كين روبنسون في تعليقه على أهمية التحول في التعليم إلى منهجية تعتمد على المتعلم في الأساس وشبّه النظام الحالي للتعليم بنموذج خط إنتاج في مصنع، وقال إن التوجه يجب أن يصبح مثل النظام الزراعي بحيث ينمو الطالب ويتعلم لوحده بشكل طبيعي organic وما دور المؤسسة التعليمية (أو حتى البيت كما ذكر) إلا النصح والتوجيه وتوفير البيئة المناسية.
ريادي الأعمال البليونير المشهور ريتشارد برانسون، مؤسس شركات Virgin، الذي ترك المدرسة وهو في سن 16 سنة أيضاً يتفق مع ذلك الطرح، وكان قد انتقد النظام التعليمي وطالب بتغير هيكلي له في أحد تعليقاته، كما ذكرت البيزنس إنسايدر.
ولعل أكبر دليل على موضوع عدم الاعتداد والاعتماد على الشهادة كثيرا القصص الكثيرة لأناس ممييزين بالاضافة الى ريتشارد برانسون حيث لم يكملوا دراستهم الجامعية وانطلقوا وأسسوا اعمالهم الخاصة التي أصبحت فيما بعد تقدر ببلايين الدولارات، ومن هؤلاء ستيف جوبز (Apple)، وبيل جيت (Microsoft)، ولورانس اليسون (Oracle)، ومايكل ديلل (Dell)، ومؤخرا مارك زوكربيرغ (Facebook).
إذن يجب أن نسارع ونهيئ بيئة تشجع على التعلم الذاتي والاستفادة من كل هذه المصادر المتوافرة، ونأخذ بأيدي أبنائنا ونعلمهم حب التعلم وإتقانه حتى يصبحوا طلاب علم جيدين (good learners)، حتى يتمكنوا بسرعة من البدأ بالتجربة واكتساب القدرة على توظيف المعرفة، وبالتالي نخلق جيلاً قادراً على مواجهة التحديات ولا ننتظر التعليم الرسمي (main stream) في بلادنا العربية؛ لأننا قد ننتظر طويلاً، وأرجو أن أكون مخطئاً.
أختم بتجربة عجيبة قام بها بروفيسور سوجاتا ميترا من جامعة نيوكاسل؛ حيث قام في عام 1999 بزيارة الهند وترك جهاز كمبيوتر بلا كيبورد في أحد الأحياء الفقيرة؛ حيث الكثير من الأطفال لا يذهبون إلى المدرسة ولم يروا في حياتهم جهاز كمبيوتر، وكان قد ربطه بجهازه الخاص ليتمكن من مراقبتهم، بعد ساعات بدأ يشاهد حركة على الماوس على الشاشة، ومن ثم بدأ يشاهد الرسام وغيرها من البرامج، أعاد التجربة في مكان نائي جداً؛ ليتأكد أن الأطفال لم يتعلموا من أحد المارة، لكنه وصل إلى نفس النتيجة، بل إن الأطفال علّموا أنفسهم اللغة الإنجليزية حتى يتمكنوا من استخدامه واللعب بما توافر من برامج على الجهاز، وأترك لكم التفاصيل لتستمتعوا بمشاهدة محاضرة بروفيسور سوجاتا ميترا في مؤتمر تيد TED.
المقالة منشورة في هافنجتون بوست


الأحد، 17 أبريل 2016

نماذج من الإبداع في رضى الزبون

عندما تفكر الشركة او الريادي بسعادة الزبون يكون النجاح حليفها في اغلب الأحيان ، و هنا نتحدث عن فهم متطلبات الزبون الحالي و المستقبلي ، طبعا بالنسبة للشركات الرائدة في الابتكار مثل أبل ، المتطلبات عندهم ليس بالضرورة ما يطلبه الزبون او ما يتوقعه بل حتى المنتجات نفسها، فقد كان ستيف جوبز يعتبرها تصورات مستقبلية لما يمكن ان يكون مفيدا للمستهلك ، وغالبا هذه التصورات مرتبطة بفلسفة الشركة المبنية على التميز و تحدي الوضع الحالي و ما هو مطروح مع التركيز على التصميم و سهولة الاستخدام. اذكر اني استمتعت بعملية شراء اول ايباد لي من محل أبل في لندن و لمست نتاج ما اهتم به جوبز من تفاصيل ميزت تصميم نقاط البيع و تزويد الزبون بتجربة فريدة و جميلة فالموضوع لا يقتصر فقط على المنتج نفسه و مواصفاته.
الشركات الناجحة تهتم بموضوع "عقيدة" المحافظة على الزبون الحالي لزيادة القيمة منه و الحصول على زبائن جدد من خلاله بعد ان ذاق خدمة مميزة و تعامل راقي يجعل الزبون يتغنى و يستمتع بالتجربة . تعرفت مؤخرا على سائق سيارة اجرة بسيط لكنه نجح من خلال تبني منهجية مميزة في التعامل مع الزبون و الحرص على رضاه و بسعر معقول وتعالى عن سياسة استغلال زبون عابر كما هو الحال في بعض البلدان العربية ، و تمكن من عمل شبكة من سيارات الأجرة يعملون من خلاله و قد دربهم بنفس أسلوبه الذي ركز على رضى الزبون من خلال الاهتمام بالدقة في المواعيد و التعامل الجميل ، و كون قاعدة بيانات كبيرة من زبائن من الجاليات الأجنبية من الدول الغربية و يتعامل مع السفارات و القنصليات و توقف عن استخدام سيارته كالعادة ، و كل هذا النجاح تحقق و هو لا يملك شركة فعلية (اي ليس رياديا رسميا ! )
بعض الشركات ارتقت و تجاوزت المتعارف عليه في تعاملها مع الزبون مثل شركة نوردستوم التي جاء اليها زبون ليعيد اطارات اشتراها من شركة اخرى ، و تم رد النقود له رغم ان نوردستوم لا تبيع اطارات أصلا ! ومثال اخر سمعته من ليبي جيل ( التي عملت مسؤولة عن الاتصال و التسويق في شركات عالمية مثل ينيفيرسال) خلال محاضرة لها في الكويت عن شركة زابو المميزة ، و هو ان ادارة هذه الشركة لا تمانع بل مكنت و فوضت موظفيها من مساعدة الزبائن قدر الإمكان و لا تعتبره هدرا للوقت بل استثمار ، لدرجة ان الموظف قد يقوم بالبحث بنفسه على الانترنت ليدل الزبون على ما يريد و لو كان ذلك من منتجات شركة منافسة !
اختم بقصة حدثت معي في نوتنجهام في بريطانيا مع Pret A Manger حيث ما ان انتهينا من طلبنا وهممت ان ادفع حتى اخبرني الموظف انه لن يأخذ مني المبلغ و طلب مني ان اعتبره بدل اعتذار بسبب الطابور الطويل في ذلك اليوم ! و لقد انبهرت حينها لأني لا اذكر اننا انتظرنا طويلا ، و اكثر ما اعجبني انه انتظرنا حتى انتهينا من الطلب و لم يتقدم بخصم محدد مقدما !
انها استراتيجية بسيطة في مفهومها العام لكن تطبيقها صعب لان ذلك يتطلب ثقافة مؤسسية يعمل فيها الموظفين بحب و شغف و دافعية داخلية تكونت بسبب سياسات الشركة الداعمة و الممكنة للموظفين بالاضافة الى محفزات ترتبط بطبيعة العمل ، و هذه "وصفة سرية" ناجحة لمشاريع بسيطة كسيارة الاجرة أو شركات كبيرة مثل التي ذكرناها في الاعلى.

الأحد، 3 أبريل 2016

قصة وفاة "نوكيا" وأشباهها.. دروس في الإدارة



صحيح ان التكنولوجيا الجديدة تمكن الشركات من الصعود و التميز و النجاح بما يتجاوز احيانا أضعاف ما يمكن تحقيقه بنفس التكنولوجيا المستخدمة كما ذكر رئيس ماكنزي ريتشارد فوستر في كتابه Innovation: The Attacker's Advantage في أمثلة الثمانينات و السبعينات التي ذكرها والتي مازالت تتكرر ، الا ان الشركات تفشل احيانا في التعلم من الماضي ووضع استراتيجيات لاستغلال التطور التكنولوجي لصالحها لأسباب عديدة و خصوصا ما تحدث عنه بروفيسور كلايتون كريستنزن من جامعة هارفرد في وصفه للتكنولوجيا المدمرة disruptive technology ، في كتابه الشهير The Innovators Dilemma  حيث تحدث عن كيفية صعود التكنولجيا الجديدة بصيغة ضعيفة في البداية لا يهتم بها الا صغار الشركات و يهملها الكبار بسبب ظنهم بمحدودية أدائها حسب مقاييسهم التقليدية و ضعف مردودها المادي الحالي و صغر سوقها ، لكن سرعان ما تنشر و تتطور هذه التكنولوجيا و تستبدل قرينتها من خلال تقديم بل أحيانا خلق سوق جديد وبمواصفات جديدة ، ولقد بنى كلايتون نظريته مستخدما صناعة محرك الأقراص  Disk Drive Industry حينها بسبب تطورها السريع مستلهما ذلك من الدراسات الحيوية على الحشرات التي لا تعيش طويلا مثل ذباب الفاكهة.  

هناك شبه إجماع على أثر التكنولوجيا في تحقيق نجاحات خارقة للشركات و تدمير أخرى ولو كانت عملاقة ، عدا عن العامل الاجتماعي و فهم العلاقات والشبكات الخارجية كما ذكر جريج ساتل في شرحه لكيفية حصول التدمير في الأعمال Disruption  من ذلك المنظور، لكني سأركز هنا على الجانب المؤسسي و تناغم المستويات الادارية من خلال قصتين لشركتين بمستوى عالمي ووزن كبير هما نوكيا Nokiaو بلوكبستر Blockbuster. نوكيا التي كانت في "عزّها" تسيطر على ٤٠٪‏ من حصة سوق الموبايل و ما زلت أذكر كيف كان الأكاديمين الذي درسونا في الماجستير في جامعة نوتنجهام سنة 2013 يتغنوا بأمثلة من نوكيا و خصوصا في موضوع سهولة الاستخدام و أثره في نجاح نوكيا الكاسح (على الأقل من وجهة نظرهم)! ، لقد كانت نوكيا امبراطورية تساهم بما مقداره ربع النمو الاقتصادي  الفنلندي وتشكل العمود الفقري لكل شي ولقد وثق مؤخرا مراسل بي بي سي للاعمال واقع الحياة في بلدة نوكيا التي سميت الشركة على اسمها بعد سقوطها المدوي ، هكذا اهتزت نوكيا فجأة و سقطت بشكل سريع  لأسباب عديدة فنّد بعضها جوليان بيركنشو في مقالته بمجلة فورتيون وربما بعكس ما يمكن أن تتوقع.

صحيح ان أيفون أبل و نتفلكس هم من كان وراء "التدمير" للشركتين على الترتيب، الا ان أصحاب الشركتين والموظفين حاولوا ان يستدركوا لكن يبدو أن التناغم الاداري خذلهم ، و الغريب أن كل واحدة منهن حدث بطريقة مختلفة. ففي حالة نوكيا تجنب المدراء المتوسطين و من خلفهم المهندسين و الفنيين إيصال الرسائل التحذيرية لمدرائهم التنفيذين و الادارة العليا بسبب خوفهم من عنجهية المدراء التنفيذين و تعنيفهم المستمر لمن يصدح بعكس ما يعتقدون في أنهم سيستمرون في نجاحهم ضمن نفس توجهاتهم ، فجبال الأرباح العالية أعمت أبصارهم وأدى ذلك الى التأخر في الانتقال الى المرحلة الجديدة وتكنولوجياتها الضرورية للنجاح حسب ما ذكر بروفيسور كيو هيوا من جامعة أنسيد .

اما في حالة بلوكبستر فكان العكس تماما حيث ان المدير التنفيذي جون انتيوكو حاول أن يكفر عن خطئه الاستراتيجي برفض صفقة الخمسين مليون دولار لشراء نتفلكس التي أصبحت قيمتها اليوم تتجاوز ٣٢ بليون ، فحاول تدارك الخطر القادم  والتحول الرقمي الجارف في كل مجال ، من خلال الاستثمار بمشاريع ذات علاقة ضمن استراتيجية جديدة تركز على التجارة الالكترونية لكنه واجه معارضة داخلية بقيادة أحد المستثمرين الكبار ومجلس الإدارة حسب ما كتب بنفسه في مجلة هارفرد ووقف فريقه امامه من المدراءه ولم يساعدوه و تمسكوا بما تعودوا عليه و أغفلوا جهلا او كسلا او حتى غرورا ، فطرد جون و افلست الشركة بعده بثلاث سنوات ولا نعلم إن كانت استراتيجية اخر رمق كانت ستؤتي أكلها ام لا !  

لعل التعلم من أخطاء العمالقة فيها دروس كبيرة لا يمكن انكارها و لما فيها من أدلة عملية لاتخاذ المبادرات الاحترازية ، و في ما عرضناه يظهر أهمية التناغم الاداري بين كافة المستويات لتجنب المخاطر الناتجة عن التغير التكنولوجي و استغلال الفرص التي قد يتيحها هذا التغير. هذه احد الفوائد المهمة في هذا المجال لكن بالتأكيد ان التناغم سينعكس بفوائد عديدة فيما يتعلق بالإنتاجية و الجودة بل حتى رضى الزبون سيرتفع اذا تم تمكين الموظفين و مشاركتهم كما بين ستيفين بورغ في مقالته بهذا الشأن ، وبالتأكيد نجاح شركة زابوز الباهر أكير دليل . لكن هذا يتطلب أكثر من سياسات مكتوبة بل ثقافة روح فريق و بيئة عمل تعزز حرية التفكير و الابداع و تحدي نموذج العمل الحالي و النظر الى المستقبل و التعلم المستمر كما أبهرتنا قصة ملهمة و"مدمرة" أخرى في مجال الأعمال و هي شركة واربي باركرالتي أسسها طلاب كلية وارتون في جامعة بينسلفانيا سنة 2010 و التي تمكنت خلال خمس سنوات من تجاوز جوجل و فيسبوك لتكون أفضل شركة مبدعة في عام 2015.   

د. حسام عرمان

-4-22016