التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ماذا تخبئ لنا تكنولوجيا الواقع الافتراضي؟


كنت قد كتبت في مدونتي سابقاً عن موضوع إدارة التكنولوجيا في حياتنا اليومية،  وبالتحديد إثر اندماج الهاتف الذكي وتطبيقات الإنترنت والإيميل، وخصوصاً مواقع التواصل الاجتماعي؛ حيث أصبح هذان الصغيران الآن عملاقين من حيث المال والانتشار، وها هما يقتحمان علينا المكان في أي زمان وقد يديرانه كما يشاءان وبنا يتحكمان، ورغم أنهما قربا البعيد وسرعا البطيء ونبشا الماضي وكبّرا الصغير، فإنهما أهملا الكبير ولأجلهما انحنت الرقاب دقائق وساعات، وداخت وتاهت بالبعض في عالم افتراضي مليء بالتسليات مع الأصدقاء لساعات أو في المزارع السعيدة وحلاوة الكاندي كرش وغيرها وأحياناً على حساب الأهل والأولاد. ذكرت حينها أن "الاستخدام" هو الكلمة المفصلية كما هو الحال في التعامل مع أية تكنولوجيا وإدارة أثرها على أنفسنا كمستخدمين.
الموجة التكنولوجية القادمة هي تكنولوجيا الواقع الافتراضي Virtual Reality )VR) التي لا تعتبر حديثة رغم أنها بدأت قوية وتطورت بشكل متسارع وكان الجميع يتوقع لها تبعات راديكالية في عدة مناحٍ، لكنها خبت لفترة وانحصر أثرها في الألعاب والتسلية بالإضافة إلى التدريب على المخاطر أو قيادة القطارات والطائرات  وغيرها، مثل إعادة بناء المواقع  التاريخية والتجول بها، وما زالت في هذا المضمار. أذكر أني قمت بتجربة قيادة القطار في مختبر للسلامة والعوامل الإنسانية في جامعة نوتنغهام في بريطانيا قبل 10 أعوام؛ حيث كان تطور VR بطيئاً، وكانت التكنولوجيا باهظة الثمن لا يقدر عليها إلا المتخصصون والباحثون والشركات.
اليوم وبعد أن استثمرت الشركات العالمية الكبرى مبالغ طائلة فيها تم تسريع عجلة تطورها على منحنى إس S-curve للتكنولوجيا وتنوعت تطبيقاتها أكثر وقل سعرها، ولعل فيسبوك إحدى أهم هذه الشركات، وخصوصاً بعد شرائها شركة إكيلوس في آر Oculus VR بمبلغ  ٢ بليون دولار في 2014، ومايكروسوفت ونظامها هولولنز HoloLens  بالإضافة إلى أبل  وسامسونغ وسوني والعملاق جوجل (أو الفابيت).
لقد أصبح الوصول إلى هذه التكنولوجيا سهلاً جداً بعد أن أصبح بإمكاننا استخدام هواتفنا الذكية مع جهاز بسيط (headset) أو حتى صندوق من الكرتون يمكنك صناعته بنفسك باستخدام كرتونة بيتزا بناء على تصميم تقدمه شركة جوجل مجاناً وهي المعنية بتطوير وتعزيز هذا السوق، ولقد قمت بصناعة هذا الصندوق بنفسي لأرى ردة فعل أطفالي الذين ذهلوا من التجربة. تخيل كيف سيكون حال أطفالنا في المستقبل عندما يتم هذا الاندماج الجديد مع مواقع التواصل الاجتماعي وهذا ما يرمي إليه مارك زوكربرغ بحيث تنتشر هذه التكنولوجيا بشكل أوسع وتستخدم في فيسبوك، وهذا قد لا يختلف عن توجهات جوجل ودخولها عالم الواقع المعزز Augmented Reality (AR) والذي يمكن اعتباره جزءاً من الواقع الافتراضي لكن الغموض ما زال يكتنف استراتيجية جوجل في هذا المضمار كما ذكرت مجلة تك كرنش .
حينها سيصبح منظر الرؤوس المتدلية غريباً! ستكون وحيداً إذا لم يكن عندك امتداد رأسك الجديد يتحرك في كل الاتجاهات وليس للأسفل فقط، ستخرج من عالمك إلى عالم افتراضي آخر تنفصل فيه وتنعزل عن محيطك كلياً وتطير هذه المرة إلى عالم آخر، فتتناول الغداء في لندن على ضفاف نهر التايمز وتحلي بالكنافة في البلدة القديمة في نابلس وتتجول بعدها بين بناياتها التاريخية الجميلة وأنت في بيتك بينما أهلك وأصحابك في مكان آخر رغم أنهم في نفس الغرفة.
يبدو أن استخداماتها الإيجابية إلى الآن مفيدة كما في الموقف الإنساني هنا الذي جعل الناس يتعاطفون ويتقمصون حال المتضررين في سوريا أو في تعليم العلوم في الصفوف والمختبرات كما شرح مايكل بوديكاير وغيرها من تطبيقات، لكن هل ستنحصر في هذه  التطبيقات؟ سوف ننتظر ما تؤول إليه هذه التطورات التكنولوجـية وكيف سيكون أثرها الإيجابي والسلبي؟ وكيف سنتعامل معها ونستخدمها، طبعاً إن كان لنا خيار فعلي حينها! فلقد كانت الموجة الأولى من التغيرات التكنولوجية في مجال التواصل الاجتماعي قادرة على شد أكثر من بليوني شخص إليها رغم مقاومة البعض في البداية من الدخول إلى هذا المجتمع، أو بالأحرى العالم الجديد، لكن شعورهم بالوحدة خارجه أجبرهم على الانضمام، فهل ستكون هذه أكثر شدة وأعظم أثراً على بيئة أعمالنا وحياتنا؟ لا نملك إلا الانتظار لنرى ما تخبئ لنا تكنولوجيا الواقع الافتراضي، خصوصاً أننا من الأمم المتلقية والمستهلكة، ولا ناقة لنا فيها ولا جمل؟
-- المقال منشور في هافنجتون بوست 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أصبح العلم يأتي ولا يُؤتى

جاءت البروفيسور لندا هيل من هارفارد إلى الكويت، وأردت أن أذهب إلى هناك إلا أنها كانت ليلاً، وهذا فيه مشقة بعد يوم عمل طويل، وأيضاً ستخسر فترة مداعبة أولادك، ولكن هارفارد فرصة تعلم لا تتكرر كثيراً، وبالتالي لا بد أن يؤتى إليها، فذهبت وكعادتي كتبت ملاحظات للاستفادة والإفادة من خلال مدونتي، باقتباس تعليق أو جملة مفيدة أو التعرف على مصدر معلومة جديد، لكني وجدت محاضرة لها على موقع تيد TED شبيهة جداً بما قدمته لنا، تيقنت حينها كم أننا حقاً محظوظون مقارنة بمن سبقونا من أجيال، وخصوصاً في الدول النامية؛ حيث توافر المعلومة صعب بسبب وجودها في أماكن منتجيها البعيدين عن دولنا، بالإضافة إلى تكلفتها المرتفعة نسبياً في حالة الكتب أو أسعار أقساط البرامج الدراسية الخيالية، وخصوصاً في الجامعات المميزة. لقد تغير الحال، فنحن نشهد وفرة كبيرة من المعلومات التي يمكن الاستفادة منها دون تعب أو سفر، خصوصاً مع توافر الكثير من المصادر المتاحة بتكلفة بسيطة، أو أحياناً بالمجان من خلال الإنترنت، سواء المحتويات القصيرة والمتنوعة، مثل محاضرات تيد  TED  الشهيرة التي يأتيك أحد أهم الباحثين في العالم ويلخص لك

تعلم على راحتك

من فترة جاءت برفيسور لندا هيل من هارفرد الى الكويت وكانت محاضرتها ليلاً ( يعني بدك تترك أولادك وبعد تعب الدوام واللي زي بنام  بدري فيها غلبة  كثير   ، وطبعا لازم تسجل وقصة) ، وكعادتي كتبت ملاحظات للاستفادة والإفادة من خلال مدونتي باقتباس تعليق أو جملة مفيدة أو مصدر مهم! لكني وجدت محاضرة لها على تيد  TED  شبيهة جداً بما قدمته لنا وها أنا أنشره لكم للفائدة ( هنا ) لأنها كانت محاضرة مميزة. رسالتي هنا ، أننا  حقاً محظوظون مقارنة بمن سبقونا ،  فنحن  نشهد وفرة كبيرة من المعلومات التي يمكن الاستفادة منها دون تعب أو سفر ، خصوصاً مع توفر الكثير من المصادر المتاحة دون تكلفة أو تكلفة بسيطة ، من خلال الانترنت سواء القصيرة أو الطويلة الممنهجة مثل  coursera , edx, udemy, Khan Academy, TED talk, HBR , MIT opencourseware    وطبعاً الكتب الالكترونية المتوفرة الآن بطريقة خيالية لا نحتاج إلى سفر (ولا نوصي حد من الجامعة الاردنية وهو نازل على الجسر: كما كنا نفعل أيام الجامعة في آواخر التسعينتات)    ، الآن مباشرة من أمازون كندل ،  أنا شخصياً تعلمت كثيراً ولا أبالغ إن قلت أنني تعلمت ذاتياً أكثر مما

التعلم بالعمل

    لا تزال مشكلة الفجوة بين الأكاديميا والعمل مستمرة رغم مبادرات عديدة وورش عمل سخية، فالحلول ترقيعية وليست جذرية. المشكلة عميقة وبحاجة إلى تغيير في فلسفة عميقة تتغلغل في لب العملية التعليمية، حيث يوظف فيها التعليم لتحفيز التعلم، ذلك البركان الهامد الذي يتنظر الإشارات الإيجابية لينطلق وتنفجر طاقاته.  إذن ببساطة نحن بحاجة لكافة الأساليب التعليمية التي من شأنها إثارة ذلك البركان لينطلق وينخرط في الحياة ويتعلم منها ويواجه تحدياتها، فهو منها وسيخرج قريباً إليها فلماذا نحشره بين حيطان مؤسسات تقليدية وكأنه في سجن أو في غربة عنها.       أحد الأساليب وربما أنجعها في هذا المجال هو أسلوب التعلم المبني على المشاريع project-based learning. التعلم من خلال عمل مشاريع أو مهام ميدانية تنتشل الطلبة من مقاعد الدراسة التي تعتمد على حل أسئلة موضوعة ضمن قالب معين لتجيب عن سؤال معين من خلال كتاب معين إلى فضاء حقيقي يكون فيه مركز الحدث وقبطان السفينة، حيث يعطى الطالب الفرصة للتفكير في السؤال نفسه وجذوره وتحديد المعطيات والبحث عن الفرضيات والمعلومات اللازمة لفهم المسألة ومقابلة المعنيين لفهم آراءهم وتقمص وجه